إملشيل، ملتقى الأسطورة والتقاليد.. من احتفالات موسم الخطوبة إلى مغارة أخيام، رحلة عبر الزمن والطبيعة

 إملشيل، ملتقى الأسطورة والتقاليد.. من احتفالات موسم الخطوبة إلى مغارة أخيام، رحلة عبر الزمن والطبيعة
الصحيفة من إملشيل 
الأربعاء 29 أكتوبر 2025 - 16:17

تقع إملشيل في قلب جبال الأطلس الكبير الشرقي، كقرية جبلية شامخة على ارتفاع يقارب 2150 مترا عن مستوى سطح البحر، وتشكل في الآن نفسه مركزا لجماعة ترابية تابعة لدائرة إملشيل بإقليم ميدلت، ضمن النفوذ الترابي لجهة درعة تافيلالت، ويبلغ عدد سكان الجماعة حوالي 9164 نسمة، وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يعيشون في مجال جبلي قاس يفرض إيقاعه الخاص على أنماط العيش والتنقل.

حين تعتزم زيارة إملشيل، عليك أن تعدّ رحلتك من قلب الطرق المغربية التي تصعد بك من السهول نحو العلو، فتُغيّر وتيرتك وتغيّر معها منظر العالم حولك، للوصول إلى هذه البقعة الساحرة، هناك مسارات رئيسية تحكي قصة سفر بطيء وجميل عبر التضاريس، كل منها يقدم خطوة جديدة نحو اللقاء بالأعلى والأنقى.

إذا كُنت قادما من خارج المغرب، فإن مطار مراكش المنارة ومطار بني ملال يمثلان أقرب بوابتين جويتين للوصول إلى إملشيل، من هذه المطارات، يمكنك استئجار سيارة خاصة أو استقلال حافلة نحو المدن المجاورة مثل ميدلت أو بني ملال، حيث تبدأ الرحلة الحقيقية نحو الجبال.

طريق إملشيل مليئة بالمشاهد البانورامية التي تعانق الجبال والوديان

بالقادم من الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش، خطوتك الأولى هي الوصول إلى مدينة ميدلت. هناك تنتهي غالبا التقاطعات بين الطرق الوطنية الكبرى، وتبدأ الطبيعة في أخذ مجراها، يمكن بلوغ ميدلت بالسيارة الخاصة أو عبر الحافلات الوطنية الكبرى، أو بواسطة سيارات الأجرة الكبيرة التي تربط المدن الرئيسية ببعضها، الطرق الوطنية والجهوية ممهدة بشكل عام، لكنها تصبح أكثر تعرجا كلما اقتربت من قمم الجبال في الطريق نحو إملشيل.

من ميدلت تبدأ الرحلة الحقيقية عبر طريق جبلية متعرجة تمتد نحو الجنوب الشرقي، مليئة بالمشاهد البانورامية التي تعانق الجبال والوديان، المسافة بين ميدلت وإملشيل تبلغ حوالي 197 كيلومترا، وتستغرق بالسيارة أكثر من ثلاث ساعات حسب وتيرة السير وسلاسة الطريق، هذا المسار يمر عبر الطريق الوطنية رقم 13 و29، ومن ثم الطريق الإقليمية رقم 317، مرورا بمداشر وقرى مهمة مثل آيث ثوغاس وأغبالو سردان قبل الوصول إلى إملشيل.

بالنسبة للقادمين من بني ملال، تبعد إملشيل حوالي 161 كيلومترا، تستغرق حوالي ثلاث ساعات وعشرين دقيقة عبر الطرق الإقليمية رقم 3204 و3208، قبل الانضمام إلى الطريق الوطنية رقم 12 وصولا إلى إملشيل، أما إذا كنت قادما من مدينة الريش، فالمسافة أقل، حوالي 138 كيلومترات.

إذا لم تكن تقود سيارة خاصة، فإن حافلات"النقل المزدوج" خيار شعبي وعملي، حيث تنطلق بشكل دوري من ميدلت أو بني ملال أو مدن أخرى مثل الرشيدية، وتنقلك مباشرة إلى قلب إملشيل أو إلى محطات جانبية يمكن استكمال المسار منها بسيارة أصغر أو بالمشي القصير داخل القرية.

حافلات"النقل المزدوج" خيار شعبي وعملي في تنقل الناس في إملشيل

الوصول إلى إملشيل هو أكثر من مجرد رحلة عبر الطرق، إنه انغماس في المشهد الطبيعي للجنوب الشرقي للمغرب، حيث يلتقي المشهد الجبلي بالتراث والأسطورة، ويمنح الزائر إحساسا بالحياة الجبلية الأصيلة وفرصة للتأمل قبل أن تبدأ المغامرة في قلب القرية.

يشير اسم إملشيل إلى مجال جبلي تشكّل عند تقاطع الطبيعة القاسية، حيث ارتبط في الذاكرة المحلية بالمكان الذي كانت تُكال فيه الحبوب شتاء، فقد اعتادت قبائل آيت حديدو وآيت إعزى وتلمي، القادمة من المجالات الجافة، التوجّه صيفا نحو المرتفعات الشمالية للتزوّد بالزرع، قبل أن يتحوّل هذا العبور الموسمي، مع توالي السنين، إلى استقرار دائم أفرز مجالا بشريا قائما على الزراعة والرعي.

ويرتبط تاريخ إملشيل عضويا بقبائل آيت حديدو، إحدى كبريات القبائل الأمازيغية بالمنطقة، التي راكمت عبر قرون نمط عيش قائماً على الترحال الجزئي بين المراعي الصيفية والشتوية، هذا الواقع أفرز نظاما اجتماعياً متماسكا، يقوم على العرف والتضامن وتقاسم الموارد، في بيئة شحيحة فرضت على ساكنتها ابتكار توازنات دقيقة للاستمرار.

وعلى خلاف ما قد توحي به طبيعتها الجبلية، لم تكن إملشيل مجالا معزولا، بل شكّلت جزءا من مسارات عبور قديمة ربطت تافيلالت بالسهول الداخلية، واستفادت من موقعها كمجال للرعي والتبادل، ورغم هذا الانفتاح النسبي، ظل نمط العيش محافظا على جوهره التقليدي، ولم تمسه التحولات الحديثة إلا في حدود ضيقة.

ما إن تقترب من إملشيل، حتى تشعر أن الطريق لا يقودك إلى قرية عادية، بل إلى موعد جماعي مع ذاكرة المطقة، هنا، لا يُستقبل الزائر بلافتات مهرجانات صاخبة، بل بإيقاع بطيء، محسوب، يعلن عن موسم الخطوبة، ذلك الموعد الذي منح إملشيل شهرتها داخل المغرب وخارجه.

موسم الخطوبة في إملشيل الذي منح المنطقة شهرتها داخل المغرب وخارجه.

وأنت تدخل المجال، تبدأ الصورة في التشكل تدريجيا، رجال بجلابيب صوفية، نساء بأزياء أمازيغية زاهية، وحركة غير معتادة في ساحة اعتادت الهدوء، الموسم ليس احتفالا سياحيا عابرا، بل امتداد لعرف اجتماعي قديم، كان يتيح للشباب والفتيات التعارف في إطار جماعي منضبط، تحرسه الجماعة قبل أن تحكمه الرغبة الفردية.

في شهر شتنبر من كل سنة، تختلط الألوان بالموسيقى، وتعلو إيقاعات أحيدوس، وتُفتح الأسواق المؤقتة حيث تُعرض المنتجات الفلاحية والحيوانية والزرابي التقليدية المصنوعة من الصوف الطبيعي، وكأن الجبل قرر أن يكشف، مرة واحدة في السنة، عمّا خزّنه طويلا، ورغم هذا الزخم، تبقى روح المكان حاضرة، بساطة بلا تصنّع، ووقار لا تفسده العدسات.

وإذا واصلت التوغّل قليلا، ستسمع باسم بحيرتي إيسلي التي تبعد حوالي 14 كلمترا عن مركز املشيل وتيسليت التي تبعد بسبع كلمترات عن المركز المذكور، قبل أن تراهما، الطريق إليهما ليس مجرد مسار طبيعي، بل عبور داخل حكاية يتناقلها السكان كما لو أنها حدثت بالأمس، هناك، بين المرتفعات، يُقال إن دموع عاشقين من قبيلتين متخاصمتين تحوّلت إلى ماء، بعدما حال النزاع القبلي دون اكتمال قصتهما، منذ ذلك الزمن، صار الحب هنا مرتبطا بالذاكرة، لا بالرواية الرومانسية وحدها، بل بمحاولة جماعية لمصالحة الماضي.

العودة إلى قلب الموسم تكشف وجها آخر، على عكس ما رُوّج له طويلاً، لا تُعقد زيجات مرتجلة، ولا تُعرض نساء للفرجة، كل شيء يتم بهدوء مسبق، قرانات مُعلن عنها، وعدول ينتقلون إلى إملشيل خصيصا لتوثيق العقود، دون مقابل، لتجنيب الشباب عناء السفر إلى الريش، المشهد أقرب إلى تنظيم جماعي للحياة، منه إلى احتفال فولكلوري.

رقصة أحيدوس تعد الأشهر التي تميز المنطقة وتقاليدها

الساحة تتحول إلى نقطة التقاء، من حلقات أحيدوس، نقاشات جانبية، فضول زوار أجانب يكتشفون أن ما أمامهم ليس عرضا، بل تقليد حي يُمارس كما كان دائما، هنا، لا يتفرج الجبل على نفسه، بل يعيش لحظته الخاصة.

ثم، وكأن المكان يقرر بنفسه موعد الانسحاب، ينتهي الموسم، أولى الثلوج تعيد رسم الخارطة، الطرق تُغلق، الدواوير تنعزل، والضجيج يذوب في صمت كثيف، القرية التي كانت نابضة بالحركة تعود إلى إيقاعها الأصلي، ماشية، رياح، وبيوت تواجه الشتاء بصبر قديم، في هذا الفصل، كل تنقل محسوب، وكل مرض اختبار، والجبل يكشف وجهه القاسي بلا وساطة، ورغم ذلك، لا تفارق الابتسامة الوجوه.

عند وصولك إلى إملشيل، ستكون أول مهمة هي اختيار مكان للإقامة، فالإقامة هنا ليست مجرد سرير للراحة، بل جزء من التجربة التي تمنحك إحساس المكان وروحه، تتراوح أسعار الليلة في الفنادق والنُزل بين 300 و600 درهم تقريبا، وتختلف حسب الموسم، فخلال موسم الخطوبة في شتنبر ترتفع الأسعار قليلا، بينما في الربيع والشتاء تكون معتدلة أكثر.

يمكنك أن تبدأ رحلتك بالإقامة في أحد أماكن الضيافة المطلة على البحيرات المحيطة، حيث تمنحك صباحات هادئة مع نسيم الجبل البارد، أو في قلب البلدة لتختبر الأجواء التقليدية المغربية الأصيلة، بينما توفر بعض النُزل الراحة والهدوء بعيدا عن صخب الموسم، ولمن يفضلون فخامة معتدلة، تتوفر خيارات أنيقة وراقية بالقرب من المعالم السياحية الرئيسية، ما يجعلها مثالية للاستكشاف اليومي للبلدة، إلى جانب هذه الخيارات، تتوافر منازل وشقق للكراء، مناسبة للعائلات أو المجموعات الراغبة في تجربة أكثر خصوصية واستقلالية.

بعد الاستقرار، يبدأ اكتشاف المائدة المحلية، الأطعمة في إملشيل ليست مجرد وجبات، بل امتداد لحياة الجبل وسنواته، لا تفوت الطاجين المغربي الغني باللحم والخضروات المتبلة، أو الكسكس التقليدي المصنوع بحبوب القمح واللحم والخضار الطازجة، كما يمكن تجربة الحريرة، تلك العجينة الرقيقة المحشوة باللحم والبصل والتوابل، مع تشكيلة من الحلويات المغربية الشهية مثل البسبوسة والشباكية، لتكتمل تجربة مذاق المكان.

تعد بحيرة تيسلت من أشهر الأماكن الطبيعية في إملشيل

أما توقيت زيارتك، فهو يحدد شكل التجربة، شهر شتنبر هو الذروة، مع موسم الخطوبة الذي يحيي البلدة بالألوان والأصوات والاحتفالات الجماعية، وفي فصلي الربيع والصيف، تصبح الأجواء معتدلة ومنعشة، والطرق الجبلية أكثر دعوة للتجوال والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة.

ولا يكتمل المسار دون النشاطات، فهي هنا ليست برامج جاهزة، بل فرص للتفاعل مع المكان، يمكنك القيام برحلات جبلية بين القمم والتلال، أو ركوب الدراجات الجبلية لمشاهدة التضاريس من منظور مختلف، أو المشي في الطبيعة لتكتشف تفاصيل الجبل والصخور والينابيع. أما الأسواق المحلية، فهي بوابتك للتعرف على الحرف اليدوية والمنتجات التقليدية، حيث كل قطعة تحكي قصة وتفتح نافذة على الحياة اليومية لسكان المنطقة.

حين تتوجه نحو مغارة أخيام التي تبعد حوالي 40 كلمترا عن مركز إملشيل، تستقبلك صخورها على نحو يفرض عليك التمهل والانغماس في هدوء المكان، المغارة ليست مجرد فجوة في الجبل، بل حقل للاكتشاف والتأمل، حيث يمتزج الواقع مع الأسطورة في كل زاوية.

يروي السكان المحليون أن اسمها الأصلي "تَخَامْتْ إمْسْخْ رْبِّي"، أي العائلة الملعونة، ويعود ذلك إلى زمن قديم حين سكنت عائلة المغارة، وخلال زفاف أحد الأبناء ارتكب الأب فعلا محظورا مع زوجة ابنه، مما أدى إلى لعنة جمدت الجميع في الصخور، لتصبح المغارة شاهدة على مأساة تحول التاريخ إلى أسطورة.

مغارة أخيام التي تبعد حوالي 40 كلمترا عن مركز إملشيل، حيث يمتزج الواقع مع الأسطورة

مع تقدمك في الداخل، تكشف الصخور عن تمثال الأب الملعون (أمغار)، والحصن الكبير (تزلافت) الذي يظل أثر العشاء فيه كما تركه أفراد العائلة، ومجموعة الشخصيات المتجاورة المعروفة بـأيت أوحيدوس التي تبدو وكأنها تؤدي رقصة أحيدوس، إضافة إلى سرج العروس (الرّْكَابْ) الذي حملت به العروس، لتغدو المغارة لوحة حيّة من الأساطير المحلية.

إلا أن الغموض لا يمنع النظر العلمي، فالصخور التي نسبت إلى الأب هي في الواقع صواعد، والحصن الكبير تشكل بفعل قطرات المياه الحمضية على الصخور الكلسية، فيما تشبه الشخصيات الراقصة هي نوازل طبيعية نحتتها المياه عبر آلاف السنين، مما يضيف بعدا جيولوجيا مدهشا لتفسير الظواهر التي أسرت سكان المنطقة والزوار على حد سواء.

عند زيارتك، يُنصح بالتقدم بخطوات هادئة، والانتباه لكل تكوين صخري، والتوقف أمام كل معلم لتدرك العلاقة بين الأسطورة والعلم، والاستمتاع بالمساحات المفتوحة التي تطل على جبال الأطلس الكبير ووديان المياه التي تحيط بالمغارة،هنا، يصبح الوقت نسبيا، ويتحول المرور عبر الممرات الضيقة إلى تجربة تأملية، بعيدا عن صخب العالم، حيث تمنح المغارة فرصة الانفصال عن الحاضر والغوص في تفاصيل الماضي، لتغادر وأنت تحمل صورة حيّة لمزيج الأسطورة والتاريخ والجغرافيا التي تشكل قلب إملشيل الحقيقي.

 يبقى الجبل معك في اتساع الأفق، وفي وجوه الناس الذين لا يتكلمون كثيرا، لكن كل حركة منهم تحكي قصة، هنا، الأرض لا تغريك فقط، بل تعلمك الصبر والهدوء.. إملشيل ليست لكل الزوار، لكنها لمن يريد أن يعيش تجربة مختلفة، مكان لا يُكتشف بسرعة، ويمنحك أكثر مما تتوقع إذا بقيت فيه قليلا، تجربة تبقى في الذاكرة أكثر من كونها مجرد زيارة.

الدروس المستخلصة من تنظيم "الكان"!

انتهت بطولة كأس أمم إفريقيا، اليوم، بتتويج المنتخب السنغالي باللقب، حيث رفع قائد أسود "التيرانغا" ساديو ماني الكأس التي سيحملها إلى داكار للاحتفال مع شعبه، وبذلك سيعود الكل إلى حاله بعد ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...